السيد الطباطبائي
402
تفسير الميزان
وقوله : " وظنوا ما لهم من محيص " الظن - على ما قيل - بمعنى اليقين ، والمحيص المهرب والمفر ، والمعنى : ويوم ينادي الله المشركين : أين شركائي ؟ - على زعمكم - قالوا : أعلمناك ما منا من يشهد عليك بالشركاء - أو ما منا من يشاهد الشركاء وغاب عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في الدنيا ، وأيقنوا أن ليس لهم مهرب من العذاب . قوله تعالى : " لا يسأم الانسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط " السأمة الملال ، واليأس والقنوط بمعنى وهو انقطاع الرجاء ، والدعاء الطلب . شروع في ختم الكلام في السورة ببيان ما هو السبب في جحودهم ودفعهم الحق الصريح ، وهو أن الانسان مغتر بنفسه فإذا مسه شر يعجز عن دفعه يئس من الخير وتعلق بذيل الدعاء والمسألة وتوجه إلى ربه ، وإذا مسه خير اشتغل به وأعجب بنفسه وأنساه ذلك كل حق وحقيقة . والمعنى : لا يمل الانسان من طلب الخير وهو ما يراه نافعا لحياته ومعيشته وإن مسه الشر فكثير اليأس والقنوط لما يرى من سقوط الأسباب التي كان يستند إليها ، وهذا لا ينافي تعلق رجائه إذ ذاك بالله سبحانه كما سيأتي . قوله تعالى : " ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي " الخ الأصل بالنظر إلى مضمون الآية السابقة أن يقال : وإن ذاق خيرا قال : هذا لي لكن بدل ذاق من " أذقناه " و " خيرا " من قوله : " رحمة منا " ليدل على أن الخير الذي ذاقه هو رحمة من الله أذاقه إياها وليس بمصيبة برأسه ولا هو يملكه ولو كان يملكه لم ينفك عنه ولم يمسسه الضراء ، ولذا قيد قوله : " ولئن أذقناه " الخ بقوله : " من بعد ضراء مسته " . وقوله : " ليقولن هذا لي " أي أنا أملكه فلي أن أفعل فيه ما أشاء وأتصرف فيه كيف أريد ، فليس لأحد أن يمنعني من شئ منه أو يحاسبني على فعل ، ولهذا المعنى عقبه بقوله : " وما أظن الساعة قائمة " فإن الساعة هي يوم الحساب . وقوله : " ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى " أي للمثوبة الحسنى أو للعاقبة الحسنى ، وهذا مبني على ما يراه لنفسه من الكرامة واستحقاق الخير كأنه يقول : ما ملكته من الخير لو كان من الله فإنما هو لكرامة نفسي عليه وعلى هذا فإن قامت الساعة ورجعت إلى ربي كانت لي عنده العاقبة الحسنى .